علي محمد علي دخيل

577

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وتذعنوا لانقياده إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ أي أتباعه وأولياءه وأصحابه لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ أي النار المسعرة والمعنى : انه لا سلطان له على المؤمنين ولكنّه يدعو أتباعه إلى ما يستحقّون به النار . ثم بيّن سبحانه حال من أجابه ، وحال من خالفه فقال الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ جزاء على كفرهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من اللّه لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي ثواب عظيم . ثم قال سبحانه مقرّرا لهم أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً يعني الكفار زيّنت لهم نفوسهم أعمالهم السيئة فتصوّروها حسنة ، أو زيّنها الشيطان لهم بأن أمالهم إلى الشبه المضلّة ، وترك النظر في الأدلة ، وأغواهم حتى تشاغلوا بما فيه عاجل اللذة فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ مرّ بيانه فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ أي لا تهلك نفسك يا محمد عليهم حسرة ، ولا يغمّك حالهم إذ كفروا واستحقّوا العقاب ، وهو مثل قوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ والحسرة : شدة الحزن على ما فات من الأمر إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ فيجازيهم عليه . ثم عاد سبحانه إلى ذكر أدلة التوحيد فقال وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً أي تهيّجه وتزعجه من حيث هو فَسُقْناهُ أي فسقنا السحاب إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ أي قحط وجدب لم يمطر فيمطر على ذلك البلد فَأَحْيَيْنا بِهِ أي بذلك المطر والماء الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بأن أنبتنا فيها الزرع والكلاء بعد أن لم يكن كَذلِكَ النُّشُورُ أي كما فعل هذا بهذه الأرض الجدبة من إحيائها بالزرع والنبات ينشر الخلائق بعد موتهم ، ويحشرهم للجزاء من الثواب والعقاب مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً معناه : من أراد العزّة فليتعزّز بطاعة اللّه فإن اللّه تعالى يعزّه ، عن قتادة يعني ان قوله فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة كما يقال : من أراد المال فالمال لفلان ، أي فليطلبه من عنده ، يدل على صحة هذا ما رواه أنس عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : إن ربكم يقول كل يوم : أنا العزيز فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والكلم : جمع الكلمة يقال : هذا كلم وهذه كلم ، ومعنى الصعود هاهنا القبول من صاحبه ، والإثابة عليه ، وكلما يتقبّله اللّه سبحانه من الطاعات يوصف بالرفع والصعود لأن الملائكة يكتبون أعمال بني آدم ويرفعونها إلى حيث شاء اللّه تعالى ، وهذا كقوله : إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وقيل : معنى إليه يصعد : إلى سمائه ، وإلى حيث لا يملك الحكم سواه ، فجعل صعوده إلى سمائه صعودا إليه تعالى كما يقال ارتفع أمرهم إلى السلطان ؛ والكلم الطيب الكلمات الحسنة من التعظيم والتقديس ، وأحسن الكلم لا إله إلا اللّه وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ المعنى : العمل الصالح يرفعه اللّه لصاحبه ، أي يقبله . ثم ذكر سبحانه من لا يوحّد اللّه سبحانه فقال وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي يعملون السيئات عن الكلبي وقيل : يمكرون أي يشركون باللّه وقيل : يعني الذين مكروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في دار الندوة عن أبي العالية وهو قوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة . ثم أخبر سبحانه ان مكرهم يبطل فقال وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ أي يفسد ويهلك ولا يكون شيئا ، ولا ينفذ فيما أرادوه . 11 - 17 - ثم نسّق سبحانه على ما تقدم من دلائل التوحيد فقال وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بأن خلق أباكم آدم منه ، فإن الشيء يضاف إلى أصله وقيل أراد به آدم عليه السلام نفسه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي ماء الرجل والمرأة ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً أي ذكورا وإناثا وقيل ضروبا وأصنافا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ أي وما تحمل من الإناث حاملة ولدها في بطنها إلا بعلم اللّه تعالى ، والمعنى : إلا وهو عالم بذلك